الأربعاء، 28 نوفمبر 2007

غسيل الاموال

1000 مليار دولار حجم تعاملتها سنوياً عمليات غسيل الأموال القذرة.. تجتاح العالم د. يوسف إبراهيم: جريمة اقتصادية مقاومتها تحتاج لرقابة قانونية وتشريعية المستشار توفيق وهبة: أخطار أنشطتها غير المشروعة سبب تجريمها شرعاً عمرو أبوالفضل عمليات غسيل الأموال من الجرائم الحديثة نسبيا والتي لها أثار اقتصادية وسياسية واجتماعية خطيرة ولاتوجد دولة متقدمة أو نامية بمنأي عن "


1000 مليار دولار حجم تعاملتها سنوياً
عمليات غسيل الأموال القذرة.. تجتاح العالم
د. يوسف إبراهيم: جريمة اقتصادية مقاومتها تحتاج لرقابة قانونية وتشريعية
المستشار توفيق وهبة: أخطار أنشطتها غير المشروعة سبب تجريمها شرعاً

عمرو أبوالفضل

عمليات غسيل الأموال من الجرائم الحديثة نسبيا والتي لها أثار اقتصادية وسياسية واجتماعية خطيرة ولاتوجد دولة متقدمة أو نامية بمنأي عن اخطارها. غير أن هناك مجتمعات نجحت في مكافحتها ونشطت في مقاومة اثارها من خلال تبني تشريعات قانونية ومعايير اقتصادية غاية في الشفافية والدقة.. وعلي الجانب الآخر هناك من يتواني في التعامل معها بجدية ويترك حدوده ومؤسساته مفتوحة أمام طوفان الأموال المحرمة التي تجرف في طريقها الأمن والاستقرار وتماسك المجتمع.
ومؤخراً تمكنت السلطات المصرية المصرفية من ضبط 10 قضايا غسيل أموال في مصر وتم تقديمها للمحاكمة حيث تم البت القضائي في 5 منها ساهمت في إعادة 50 مليون دولار إلي مصر عن طريق سويسرا.
والحقيقة أن هذا الجهد جاء نتيجة لمسعي مصري لمحاربة هذه الجريمة الخطيرة وكان من اثاره أن أعلنت الهيئة الدولية التي تقود حملة مكافحة غسيل الأموال علي مستوي العالم في عام 2004 رفع مصر من قائمتها السوداء للدول التي لا تتخذ تدابير كافية لمواجهة الاموال القذرة وأكدت الهيئة في هذا السياق جدية مصر في مجال مكافحة عمليات غسيل الأموال واكتمال الاجراءات الرقابية والأمنية والقانونية.
ويجب هنا عدم الخلط بين ما يطلق عليه الاقتصاد الخفي وغسيل الأموال إذ ان الأول لا يكون بالضرورة العائد منه غير مشروع إلا أنه غير مسجل في الحسابات القومية وبالتالي لا يظهر عند حساب الناتج المحلي الاجمالي وبالنسبة لعمليات غسيل الأموال فهي مجرمة كلياً.
ولعل أهم الأنشطة التي تتضمنها عمليات غسيل الأموال أنشطة الاتجار في المخدرات وأنشطة البغاء والدعارة وشبكات الرقيق الأبيض وأنشطة التهريب عبر الحدود للسلع والمنتجات المستوردة دون دفع الضرائب أو الرسوم الجمركية مثل تهريب السلاح وأنشطة السوق السوداء مثل تجارة العملات الاجنبية والدخول الناتجة عن التهرب الضريبي من خلال التلاعب في الحسابات أو اخفاء مصدر الدخل. العمولات التي يتم الحصول عليها مقابل عقود صفقات الاسلحة والسلع الرأسمالية وصفقات التكنولوجيا المتقدمة والدخول الناتجة عن الأنشطة السياسية غير المشروعة مثل أنشطة الجاسوسية الدولية والأموال الناتجة عن السرقات أو الاختلاسات من الأموال العامة وتهريبها الي الخارج والاقتراض من البنوك المحلية بدون ضمانات كافية وتحويل الأموال الي الخارج وهروب المقترضين بهذه الأموال وجمع أموال المودعين وتهريبها الي الخارج وايداعها في البنوك الاجنبية أو شراء عقارات بالخارج ثم بيعها وتحويل الاموال الي بلادهم في صورة مشروعة وايضا الاموال الناتجة عن المضاربة غير المشروعة في الاوراق المالية التي تعتمد علي خداع المتعاملين في البورصات والأموال الناتجة عن تزوير الشيكات المصرفية وسحب المبالغ من البنوك المحلية والحصول علي قيمة هذه الأموال وايداعها في أحد المصارف الخارجية وايضا الأموال الناتجة عن تزييف الأموال والناتجة عن الغش التجاري والاتجار في السلع الفاسدة وتزوير الكتب والمصنفات الفنية ومنتجات الابداع الفكري وبرامج الحاسبات الآلية وكذلك أموال النصب والاحتيال المهربة الي الخارج.
منظمات الجريمة
وفي دراسة بعنوان "غسيل الأموال في مصر والعالم" أكد الدراسة حمدي عبدالعظيم - استاذ الاقتصاد وعميد مركز البحوث بأكاديمية السادات للعلوم الادارية سابقا - أن اكثر من 70 % من حجم الأموال المغسولة يأتي من تجارة المخدرات والباقي يأتي من أنشطة مجرمة دوليا مثل تجارة السلاح والرقيق الأبيض وتزييف العملات وأن الولايات المتحدة تأتي علي رأس قائمة الدول التي تغسل فيها الأموال حيث يتم غسيل ما يقرب من 283 مليار دولار سنويا.
ثم تليها ايطاليا بما يوازي 50 ملياراً سنويا وألمانيا واليابان وكندا وبعض دول البحر الكاريبي ودول أمريكا اللاتينية لارتباطها بتجارة المخدرات ثم الدول الآسيوية المنتجة للمخدرات ثم الاتحاد السوفيتي السابق خاصة مع انتشار منظمات الدعارة الدولية بالاضافة الي اسرائيل التي تدعم الجريمة وتساعد علي غسيل الأموال.
وكشفت دراسة اعدتها إيناس سليم وأيمن عقل عن "قانون غسيل الأموال المصري في ضوء معايير الشرعية وجدلية العولمة" عن أن الاقتصاد العالمي يتعرض لخسائر كبيرة بسبب النشاط الاجرامي وما يرتطب به من عمليات غسيل الاموال وأن حجم الأموال المتداولة في عمليات غسيل الأموال يفوق الخيال اذ يبلغ 2 إلي 5% من الانتاج المحلي الاجمالي العالمي وأن التقديرات الحديثة الصادرة عن الأمم المتحدة تشير إلي ان مجموع الدخول العالمية السنوية للمنظمات الاجرامية يصل الي 1000 مليار دولار سنويا.. وفي سياق متصل أكدت تقارير منظمة الشفافية العالمية أن حجم الأموال المغسولة سنويا يصل الي 15% من الناتج الخام الاجمالي العالمي كما قدرت الأموال المغسولة في الولايات المتحدة بحوالي 5.8% من اجمالي الناتج القومي في حين وصلت هذه النسبة في الهند إلي 16% من الناتج القومي وترتفع هذه النسبة لتصل الي 50% من الناتج القومي الاجمالي في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.
وعن مخاطر عمليات غسيل العمليات من الناحية الاقتصادية خلصت الدراسة الي انها تؤدي الي تلويث المناخ الاستثماري من خلال سيطرة الشركات التي يتم تأسيسها بأموال مغسولة علي الاقتصاد الأمر الذي يضر بمصداقية الأسس الاقتصادية المتعارف عليها ومنها مبدأ المنافسة المتكافئة .. وتضخم الاسعار وتدهور القوة الشرائية للنقود نتيجة اقبال الجهات التي تقوم بعملية غسيل الأموال علي شراء الاصول والاشياء ذات القيمة المالية مما يؤدي الي رفع قيمتها عن المستوي المعتاد الذي يتناسب مع الزيادة الطبيعية في انتاج السلع والخدمات .. فضلا عن اضطراب اسعار الصرف وزيادة الطلب علي العملات الاجنبية نتيجة دخول الأموال المغسولة دفعة واحدة أو خروجها دفعة واحدة الأمر الذي يهدد النظام المالي والمصرفي بالكامل .. كما انها تلقي بتأثيراتها علي الاقتصاديات الوطنية لا سيما أن محاربة الجريمة المنظمة يكلف ميزانيات ومصاريف ضخمة .. وايضا تحول الجهاز الاداري العام من جهاز يخدم المصلحة العامة الي جهاز مشارك في الفساد والتدمير بالاضافة الي ان عمليات غسيل الأموال تؤدي الي ارهاق الاقتصاد الوطني المشروع بسبب حرمان الدولة المحمول منها المال الذي يجري تبيضه الي دولة أخري الامر الذي يؤدي الي افلاس المشاريع الاقتصادية القومية الضخمة مما يترتب عليه افلاس الدولة بكاملها وارتهانها للمديونية الخارجية اضافة الي عدم استقرار أسواق الاسهم والسندات مما يؤدي الي زعزعة الثقة في القطاع المصري وانتشار الفساد.
وعلي الصعيد الاجتماعي اظهرت الدراسة أن ظاهرة غسيل الأموال تضر بمنظومة القيم الاجتماعية التي تحرص المجتمعات علي ترسيخها مثل قيمة العمل الشريف والانتماء للوطن وتكافؤ الفرص والكسب المشروع وتؤثر من الناحية السياسية علي الاستقرار والأمن الداخلي وتؤدي الي سيطرة من يملكون ولا يستحقون علي مقاليد الأمور الأمر الذي يمكنهم من ذلك سطوتهم المالية لتكون النتيجة سيطرة رأس المال القذر والمتعاملين به علي كافة أجهزة ومؤسسات الدولة.
اقتصاد خفي
الدكتور يوسف ابراهيم - استاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر يري أن جميع الدول تتحوط وتأخذ حذرها من عمليات غسيل الأموال نظراً لخطورتها الشديدة علي الاوضاع الاقتصادية والسياسية وبالرغم من ذلك يحدث اختراق وتسرب لبعض الممارسات الاجرامية غير المشروعة والخوف يأتي عندما تزداد نسبة هذه الممارسات الي الحد الذي يضرب أوضاع الدول.
قال : علينا ان ننتبه لنوع آخر من عمليات غسيل الأموال ونتائجه خطيرة وهو خاص بغسيل الأموال الداخلي فهناك نشاط اقتصادي ملحوظ يلفت الانتباه يحدث عندما نجد استثمارات ضخمة يقوم بها البعض ورغم ذلك لا يكون هناك مكسب حقيقي يقابل هذه الأموال وهذا معناه أن هذه الاستثمارات تعتمد علي نشاط آخر خفي يمول هذا النشاط ولا نعلم عنه شيئاً والحقيقة أن دول العالم الثالث مكان مناسب لعمليات غسيل الأموال والسبب ضعف الرقابة وتفشي الفساد الاداري والمالي ولكن الدول المتقدمة تتفوق في حجم الأموال التي يتم التعامل فيها حيث تصل الي المليارات ومصر أقل الدول في غسيل الاموال والدولة تبذل جهداً في هذا الموضوع والأمر المهم في هذا الموضوع أن الأموال التي تدخل الدولة نتيجة عمليات غسيل الأموال تستخدم في البذخ والترف والأمور المظهرية ولا تستخدم في الاستثمار الانتاجي وهذا يؤدي الي التضخم وهناك دول في العالم يعتمد اكثر من 70% من اقتصادها علي الأموال غير المشروعة وليس لها مصدر معروف وانتشار هذه العمليات يتوقف بالدرجة الاولي علي وجود اجراءات رقابية قانونية وتشريعية وشرعية واقتصادية واجتماعية ودرجة تنفيذها وتفعيلها.
تحايل مرفوض
وعن حكم الشرع في عمليات غسيل الأموال يقول المستشار توفيق وهبة - مدير المركز العربي للدراسات والبحوث.. الكسب غير المشروع مرفوض في ميزان الشريعة الاسلامية يقول الله تعالي: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلي الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون" البقرة 188 - فلا يجوز الحصول والكسب بالطرق غير المباحة كالرشوة والسرقة والمولي يقول: "يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" النساء 29 - فلا يقبل أن يتم تداول الأموال المتحصلة من المخدرات أو بطريق غير مشروع أو بالتحايل علي أموال الناس بالظلم والنصب وعمليات غسيل الأموال ليست تجارة لأنها متحصلة من أموال غير مشروعة وهدف القائمين عليها تبرير وجود الأموال واضفاء المشروعية بالانتحال زورا صفة التجارة والمعاملات القانونية.
اضاف: هدف الاقتصاد المشروع هو تنمية المال لسد احتياجات الناس وبناء مجتمعات قوية وهذا هدف تحض عليه الشريعة الاسلامية ومعلوم أن عمليات غسيل الاموال تأتي بمضار كثيرة خطيرة تضر بالاقتصاد وتهدد استقرار المجتمعات وتفتح ابواب الكسب الحرام والباطل وتضرب بكل القيم الاخلاقية السامية. والرسول الكريم صلي الله عليه وسلم حذرنا من هذا عندما قال: "يأتي علي الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال بحلال أو حرام" فهذه الأموال تعاون علي الاثم والعدوان وتحرض علي المعصية وانتشار الجريمة وتفتح أبواب الفساد وتعلم الناس التحايل والقعود عن العمل الجاد وأكل المال الحرام ولا يمكن بحال الاعتراف بهذه الأموال أو بشرعيتها بل هي منكرة وجريمة شرعية ولا يجوز التعامل بهذه الاموال طالما أن العلم بمصدرها واضح والقاعدة الشرعية تقول: "ما يبني علي باطل فهو باطل" ومن غير المقبول شرعاً تبرير الاستفادة بهذا المال علي أي نحو حتي ولو كان يفيد الاقتصاد ويحقق فوائد اقتصادية واستثمارية لأنه علي المدي الطويل سوف يقود الي مهالك ومخاطر تضر الأمة.


بيان الخصوصية Powered by :
جميع الحقوق محفوظة لدار التحرير للطبع والنشر ©
E-mail:eltahrir@eltahrir.net
>بقلم:عمرو ابو الفضل / جريده عقيدتى 27\11\2007




















ليست هناك تعليقات: