الأحد، 14 يونيو 2015

المستشار توفيق وهبه يكتب : بمناسبة شهر رمضان المبارك

14 يونيو,2015 ، آخر تحديث 9:18 ص - أخبار حصري
توفيق-وهبة

لم تكن التوراة معجزة موسي , ولم يكن الانجيل معجزة عيسي فلماذا كان القرآن معجزة محمد ؟
القرآن الكريم كلام الله المعجز المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم والمنقول إلينا متواترا بين دفتى المصحف الشريف، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه موعظة وهدى ورحمة وشفاء لما فى الصدور، ومن أوجه اعجازه أنه باق ومحفوظ إلى يوم القيامة بحفظ الله له. قال الحق بارك وتعالى: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”، وحفظ الله سبحانه وتعالى للقرآن ليس معناه حفظ ألفاظه ورسمه وتثبيته فى المصحف، وانما حفظ دينه والعمل بقرآنه إلى يوم القيامة.لقد كانت المعجزات السابقة تعتمد على الخوارق لأن الانسان فى تلك العصور كان لا يؤمن إلا بمثل هذه الخوارق، وكانت لوقتها دليلا على صحة نبوة من أتى بها فى ذلك الزمان وللقوم الذين ظهرت لهم هذه المعجزة.
أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلكونها آخر الرسالات، كان لا بد لها من معجزة خالدة تصلح لكل من يأتي، وتبقى شاهدة على صدق الرسالة حتى آخر الزمان، فأيّده الله سبحانه وتعالى بالقرآن الكريم.
فمنذ نزل القرآن الكريم والعلماء يكتشفون فى آياته فتحا جديدا فى شتى مجالات المعرفة وسراً من أسرار أوجه الاعجاز التى حفل بها القرآن الكريم خاصة فى ذلك العصر الذى نعيشه والذى حقق فيه الانسان انتصارات علمية وتطورات واكتشافات لم تكن فيمن قبلهم، فكانت جوانب الاعجاز فى القرآن الكريم دليلاً على أن الكون وما فيه، والقرآن واعجازه من لدن إله واحد هو الله سبحانه وتعالى. وأكثر آيات القرآن تتحدث عن الكون وما يحويه بأسلوب معجز سبق به ركب العمل. ولما كان الاسلام أول رسالات السماء وآخرها التى وجهت العقل إلى ضرورة دراسة السماوات والأرض وما فيهما من ظواهر ومخلوقات، جاء القرآن يحث على النظر فى ملكوت الله ودراسة مخلوقاته العجيبة دراسة علمية سليمة.لذلك يجب علينا دراسة القرآن الكريم وآياته المعجزة دراسة ايمانية متعمقة لتوصلنا إلى وحدانية صانع الكون ومنزل القرآن.
القرآن حجّة الله على العالمين
القرآن هو حجّة الله على العالمين ودلالة حجّته أنه معجز لجميع البشر من عرب وعجم، ولقد ظهرت أوجه الاعجاز العلمى فى القرآن الكريم خصوصا فى زمن التقدم العلمى والتكنولوجى وتطور المكتشفات الطبية والعلمية الحديثة والتى أظهر البحث العلمى النزيه أن القرآن قد سبق إلى الاشارة إليها، فتحدّث عن تطور خلق الجنين فى وقت لم يكن أحد قد علم شيئا عن ذلك، ولم يتوصل العلم إلى هذا الاعجاز الالهى فى عمليّة الخلق وتطور حياة الجنين ونموّه فى رحم الأم إلا فى العصر الحديث، قال ربنا سبحانه وتعالى “ما فرطنا فى الكتاب من شيء”، ودعا إلى البحث والنظر فيما خلق فقال “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت”، وقال عز وجل “أأنتم أشدّ خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسوّاها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها“.
يقول محمد أسد – رحمه الله – فى ترجمته للقرآن الكريم “إن العبرة فى فهم النص القرآنى هو عموم اللفظ، لا خصوص السبب، والحوادث التاريخية فى القرآن الكريم يجب أن نفهمها على أنها سيقت للعبرة والموعظة، ولا يجوز لنا أن نقصرها على زمانها فقط، بل يجب علينا أن نستفيد منها ونعتبر بها ونربطها بالهدف الأخلاقى العام للقرآن الكريم”، وإذا كان هذا العالم الكبير يرى أن القصص التاريخى فى القرآن لا نقصرها على زمانها وإنما هى للاستفادة والعبرة الدائمة والمستمرة منها، فما بالنا بالجوانب العلمية والفقهية والتشريعية ودلائل الاعجاز وهى كلّها آيات ودلائل دائمة ومستمرة لا تقضى بوقت ولا ينتهى العلم بها فى زمن معيّن بل هى لكل زمان ومكان، لأنه إذا انتهى القرآن انتهى الاسلام، وهذا ما يريده أعداء الدين، أن يتفرّق المسلمون أحزابا وشيعا وأن يبتعدوا عن دينهم وكتاب ربهم.
نجاة الأمة
ان الرسول صلى الله عليه وسلم أوضح لنا أن نجاة هذه الأمة فى التمسك بالقرآن الكريم، فقد روى الامام أحمد فى مسنده أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال “أتانى جبريل فقال: يا محمد أمتك مختلفة بعدك، فقلت له: فأين المخرج يا جبريل؟ قال: فى كتاب الله، به يقصم الله كل جبار، من اعتصم به نجا ومن تركه هلك، قول فصل، وليس بالهزل، لا تخلقه الألسن، لا تغنى عجائبه، فيه نبأ ما كان قبلكم، وفصل ما بينكم، وخير ماهو كائن بعدكم”، كما روى الامام أحمد فى حديث للنبى صلى الله عليه وسلم أنه قال “إن المراء فى القرآن كفروفى رواية أخرى: “فإن المراء فيه كفر، إنه كفر به” والمراء هو الجدال والاختلاف.
وفى قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث جبريل: “لا تغنى عجائبه” أى أن القرآن وأحكامه مستمرّة دائمة ببقاء الدنيا حتى آخر الزمان. روى ابن كثير فى كتابه فى فضائل القرآن الكريم عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال “ما من نبى إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر وإنما الذى أوتيت وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة”. قال ابن كثير: فى هذا الحديث فضيلة عظمى للقرآن المجيد على كل معجزة أعطيها نبى من الانبياء، وعلى كل كتاب أنزله، وذلك أن معنى الحديث: ما من نبى إلا أعطى “أى من المعجزات” ما آمن عليه البشر، أى ما كان دليلاً على تصديقه فيما جاء به، واتبعه من اتبعه من البشر، ثم لما مات الأنبياء لم تبق لهم معجزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عما شاهدوه فى زمانهم،
   وأما الرسول الخاتم للرسالة محمد صلى الله عليه وسلم فإنما كان ما آتاه الله وحيا منه إليه منقولا إلى الناس بالتواتر، فى كل حين هو كما أنزل فلهذا قال: “فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا”، وكذلك وقع، فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعموم رسالته ودوامها إلى قيام الساعة واستمرار معجزته، فالقرآن معجزة الرسول تحدى به البشر أن يأتوا بمثله أو بأى شيء منه فعجزوا، وهذه المعجزة ستبقى إلى قيام الساعة.
دلائل قدرته
يحتوي القرآن على كثير من الآيات التى تتحدث عن قدرة الله فى خلق السموات والأرض والبحار والجبال والانس والجن والحيوان وغير ذلك من أوجه الاعجاز ومن دلائل قدرته سبحانه وتعالى، فآيات القرآن العزيز تتضمن اشارات عديدة إلى الأسرار التى أودعها الله فى مخلوقاته، كما تتضمن نداءات متكررة تحثّهم على النظر فى الكون وعجائبه وتدلهم على ما فى الكون والمخلوقات من آيات تبيّن سنّته سبحانه وتعالى فى خلقه وقوانينه التى تحكم الحياة، وكلما تقدمت الاكتشافات العلمية تبيّن الاعجاز القرآنى العظيم الذى أظهر كل السنن والآيات قبل أن يكتشفها العلم الحديث بمئات السين.
الإعجاز العلمي
لا يجرؤ أى مكابر أو ملحد على التشكيك في الاعجاز العلمي في القرآن الكريم ، فالحقائق العلمية الحديثة لا تتعارض مع أنباء القرآن عنها منذ زمن البعثة النبوية.. ولقد آمن كثير من علماء الغرب حينما اكتشفوا سبق الاسلام للعلم الحديث فى هذا المجال مما عدوه اعجازا غير مسبوق وأدت دراساتهم إلى الدخول فى دين الله من أمثال: موريس بوكاي، محمد أسد، هوفمان، جارودى وغيرهم.
الطعن فى السنة
تأثر البعض من أبناء المسلمين بالأفكار الغربية المعادية للاسلام. فنجد من ينكر السنة ويدعو إلى منع العمل بها والاكتفاء بالقرآن بدعوى أن السنة فيها الضعيف والموضوع والاسرائيليات. هؤلاء لا يدرون أن علماء الحديث قد محّصوا كل ذلك وأبانوا الصحيح من غيره، وأن هناك تقصيرا من العلماء المعاصرين فى بيان ذلك لأمثال هؤلاء. أن الغرض من هدم السنة هو بداية لهدم الاسلام لأنهم إذا حققوا مآربهم أبطلوا الكثير من فرائض ومعتقدات المسلمين، لينقضوا عرى الاسلام، عروة عروة حتى لا يبقى منه إلا الاسم فقط، وبعد تحقيق أغراضهم من التشكيك فى السنة وإبطال العمل بها وابعادها عن التطبيق فى حياة المسلمين يلتفّون حول القرآن الكريم للنيل منه فإذا استطاعوا الحيلولة بين المسلمين والقرآن يكونون قد أصابوا الدين فى مقتل وحقّقوا لأعداء الاسلام بغيتهم بصرف أهله عنه، وابعاد من يرغب فى اعتناقه وتنفيرهم منه، فأساس الاسلام وقواعد الاحكام فيه مصدرها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وأى مساس بهما أو بأحدهما هو هدم للدين ونقض للعقيدة،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبداً: كتاب الله وسنتي”، ولكن هؤلاء الطاعنين لا يرجون لنا إلا الكفر والضلال فرسول الله صلى الله عليه وسلم يريد لأمته الهداية وهم يريدون لها الضلال.
ومعنى “لن تضلّوا بعدى أبداً”أن واجبنا العمل بهما إلى أن تقوم الساعة فلا نزيغ ولا نضل، وبمفهوم المخالفة فإن من يترك العمل بهما زاغ وضل وهلك، لضياع دينه والانحراف عن الطريق المستقيم.
ان الاسلام هو الدين الخاتم لرسالات السماء، ومعنى ذلك أنه سيبقى إلى قيام الساعة، والقرآن الكريم هو دستور المسلمين وكتاب ربهم أنزله الله على رسوله هداية للناس وتشريعا يحكم أعمالهم الدينية والدنيوية، لذلك فالمسلمون فى حاجة دائمة ومستمرة إليه ليكون حاكما لحياتهم ومرشدا وهاديا إلى الصراط المستقيم.. والانسان مهما أوتى من العلم والحكمة فعلمه دون علم الله سبحانه وتعالى وعلم رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو فى حاجة إلى علم الله المسطر فى كتابه القرآن الكريم فهو يحوى أصول الدين والدنيا.. وفيه جميع تشريعات الدين ومقومات الآخرة وفيها من العلوم ما يحتاج إليه الانسان فى دنياه من فقه وتشريع وعلوم دنيوية تخفى على العامة، ولكن العلم الحديث أظهر بعضها، وفى مستقبل الأيام قد يظهر ما هو أكثر، فالقرآن معجزة خالدة باقية يؤيد ذلك ما يقرّره القرآن من دلائل الاعجاز وبين ما أثبته العلم الحديث.

 

ليست هناك تعليقات: